فن التعامل مع الآخرين

فن التعامل مع الآخرين

تكلّم حتى أراك، عبارة أطلقها الفيلسوف اليوناني سُقراط، ثُم أصبحت مُتداولة بشكل كبيرٍ بين الناس، ولكنهم يستخدمونها بِخلاف مُرادها، فعندما قالها الفيلسوف اليوناني كان يقصُّد أن شخصيّة الإنسان لا يُمكِن تحديد أُطرها إلا بعد أن يتكلَّم، أو يُناقش في أمرٍ ما، فمقياس الشخصية ليس بالمظهر، وإنما بالأسلوب، بالإضافة إلى أن الاحتكاك والتعامل مع الآخرين يُبرز سمات كُل شخصيّة، لكن ليس كُل تعامل يصل بنا إلى ما نرجوه، لذلك سنتحدث عن فن التعامل مع الآخرين، من خلال اتباع بعض الأسس والضوابط.

الأُسس الرئيسيّة في مُعاملة الناس

هُناك عِدة نِقاط يجب على الأشخاص اتباعها أثناء تعاملهم مع الآخرين، وأهمها ما يلي:

عدم التعجُّل في الحُكم على الناس

فهل يُعقل مثلاً أن نعرف مذاق الطعام قبل أن نتذوقه؟ بالطبع لا، هذا هو حال الكثير من الناس في وقتنا هذا يُطلقون أحكامهم على الناس بمُجرد النظر إليهم، وعلى هذا الأساس يتعاملون معهم، فعلى سبيل المثال، عندما نُشاهد أحدًا قليل الكلام، فأول انطباع يُرسَّم في أذهاننا أن هذه الشخصيّة مُتكبرة، أو مُعقدة نفسيًا، دون أن نُفكر ما الذي يجول في ذهن هذا الشخص، من كونه يُعاني من مشاكل أُسريّة أو نفسيّة، أو يُفكر في مُستقبله الذي يكاد يكون مُبهم بالنسبة له، فعلينا أن نُحسِن الظّن فيمن حولنا من الناس، سواء في العمل أو المنزل، فكم من ظنونِ ظُنّت وخَابت، بعد أن كُشِّف الستار عنها، ولكن ماذا سنفعل إذا لم يتم الكشف عنها؟؛ سنقع في وحل أوهامنا الباطلة.

مُؤازرة ومساعدة الناس

نحن لا نعيش بمفردنا في هذه الحياة، ولا يُمكننا إنجاز أي شيء يَخُص حياتنا عامةً دون مُساعدة الناس، سواء كان في العمل أو في المنزل، لكننا لا نعرف قيمة من حولنا، إلا إذا تعرَّضنا لمأزّق ما، فخير مثال على ذلك، عندما يتعامل أحدًا بأسلوب هجومي مع الآخرين، وينعتّهم دائمًا بأنهم ليسوا على قدرٍ كافٍ من الفِهم، ويُصوِّر لهم أنهم لا يقدرون على إتمام أيّة مهام دون الرجوع إليه، وهذا ما يحدُث في كثيرٍ من المؤسسات من قِبل رؤساء العمل، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هُنا، هل عندما يُريد مُساعدتهم في أمر من أمور العمل، أو عندما يتعثّر في مُشكلة ما  سيجدهم؟، لا يُمكننا الجذم والإجابة بالنفي؛ لأن الناس ليسوا سواسيّة في أسلوب تعاملهم، ولكن الإجابة على هذا السؤال تكون نعم بنسبة كبيرة، لكنها ستكون مُساعدة يشوبها بعض ألوان الخِزي والندم من قِبل المنوط بالمُساعدة، فحُسن مُعاملة الناس بالطريقة اللائقة؛ تدفعهُم إلى تقديم يد العون دون أن يُطلب منهم ذلك.

المدح والتبسُّم من أجل تخفيف أعباء الآخرين

أغلب المُجتمعات، وخاصة المُجتمعات العربية تفتقر إلى لغة الشُكر و الثناء على مجهود الغير، سواء كان المجهود المَبْذول في المنزل أو العمل، فالأكثريّة ترى أن كافة الأعمال من الأمور المفروضة، أي أنهم لا يّمنون عليهم عندما ينجزون لهم أعمالهم، لا جِدال في ذلك، ففي حقيقة الأمر أي مهام يقومون بها هي في الأصل مفروضة عليهم، وليس المقصود بالفرض هُنا الإجبار، وإنما المقصود هو طبيعة عملهم تُحتِّم عليهم ذلك؛ من أجل الحصول على دقة وكفاءة عالية من الخدمات التي يقدمونها، ستتجلى لنا الصورة عندما نضرب بمثال مُشابه للواقع، عندما نُريد أن نُنجِز بعض الأوراق في مصلحة ما سواء حكوميّة أو خاصة، نرى أن أغلب الموظفين يظهر عليهم بعض ملامح الضجر؛ لأنهم يشعرون أن حياتهم أصبحت روتينيّة مملة، وإلى جانب هذا لا يجدون من يحنو عليهم بكلمة طيبة، بل ينهالون عليهم بكُل أنواع الضغط النفسي، سواء بكلمة أو نظرة، مما يجعلهم أكثر ضجرًا ونفورًا من إنجاز المهام بنفسٍ راضية، ماذا سيحدُث إذا وجهنا إليهم بعض الكلمات التي تُعلى من شأنهم، وتُخفف من أعبائهم، فالرسول مُحمد ـ صلى الله عليه وسلم- قال: "الكلمة الطيبة صدقة"، فيجب علينا تحري الدِقة قبل أن نتفوّه بكلمة.

الابتعاد عن سياسة الكبرياء

هُناك شخصيات تأبى الاعتراف بأنها خطأ؛ اعتقادًا منهم أن هذا يُقلل من شأنهم، وحينها يبدأ الكبرياء في التبلور، وحينها يرون طالما تلفظوا بـ (لا) أثناء الحُكم أو المُناقشة في أمرٍ من الأمور، فلا مجال لاستبدالها بـ نَعَم، حتى وإن اكتشف بعد ذلك أنه على خطأ، فهُناك حِكمة اعتاد أغلبنا على سماعها، وهي (الاعتراف بالحق فضيلة)، كما يجب الوضع في الاعتبار أن ترك تلك الصفة، يثري من روح المناقشة والحوار المُثمر.

أُسس عامة في التعامل مع الآخرين

 فن التعامل مع الآخرين؛ يعود بالنفع على مُتبعيه، فمن خلاله يُمكن للشخص كسب ثقة واحترام الآخرين من خلال لُغة تعامله معهم، والمُتمثلة في الآتي:

  1. الاستماع الجيد لما يقوله، واحترام وجهات نظرهم، ومناقشتهم بأسلوب دبلوماسي فلسفي، بعيدًا عن الاستهزاء.
  2. ابداء الرأي بشكل مُتحضِّر، دون اتباع أساليب الهجوم الكلاميّة.
  3. تأسيس علاقة تقوم على الاحترام المُتبادل في كافة مناحي الحياة، وليس في العمل فقط، فللزوجة والأبناء، والأصدقاء وأرباب العمل فن في التعامل.
  4. عدم التقليل من شأن الآخرين، سواء باستخدام بعض الكلمات المُحرِّجة أو توجيه بعض الاتهامات الباطلة.
  5. الالتزام بحدود التعامل، مثل: عدم التدخُّل في الشئون الحياتيّة الخاصة بهم.  
  6. عدم ترويج الإشاعات غير الصحيحة، بهدف إثارة البلْبَلة أو إقصاء من العمل.
  7. تجنُّب المُغالاة في الكلام والتعامل باستعلاء، فالله -سبحانه وتعالي- نهى في كتابه العزيز عن الكِبر، ففي الآية رقم "٣٧" من سورة الإسراء، يقول -جَلَّ عُلاه-: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا).

نتائج حُسن مُعاملة الآخرين

هُناك العديد من الفوائد التي يُمكن جنيّها من خلال التعامل القويم مع الآخرين، ومن أهمها ما يلي:

  1. التمتع بمكانة مرموقة بين زُملاء العمل أو الدراسة.
  2. جذب ثقة واحترام الناس.
  3. التحلي بالسيرة والخُلق الحسن.
  4. تكوين قاعدة كبيرة من الصداقات.
  5. دفع عجلة الإنتاج والتطوير، وإدخال أفكار جديدة إلى العمل، سواء كان هذا العمل داخل شركة أو مصنع، أو بين الزُملاء في المدرسة والجامعة.
  6. تنشأة جيل من الأبناء يقوم على توقير واحترام الكبير.

نحن لا نَمِنْ على الآخرين بحُسن مُعاملتنا معهم كما يعتقد البعض، فالله -سبحانه وتعالى- أمرنا بضرورة التمسُّك بالأخلاق الحسنة، بالإضافة إلى أن الدين الإسلامي دين مُعاملة، فيقول الله -جَلَّ عُلاه- في كتابه العزيز من سورة آل عمران، الآية رقم "١٥٩": (فَبِمّا رَحْمَةٍ مِنّ اللَّهِ لِنْتّ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتّ فَظَّا غَلِيظ الْقَلْبِ؛ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعَفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَّغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرّهُمْ فِي الْأمْرِ).

ففي هذه الآية الكريمة يأمرنا الله -عزّ وجلّ- بضرورة التلطُّف والتودد أثناء التعامل مع الغير؛ لأن الإنسان الذي يسلُك سلوكًا غير سوي في تعامله مع الآخرين؛ يجعل الناس تبتعد عنه وتتجنَّب مُعاملته.

موضوعات متعلقة
كُتب في: الأربعاء، 19 ديسمبر 2018 02:12 صباحًا
بواسطة: منال السيد